مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

د. حاتم صادق

الخبير الدولي و الأستاذ بجامعة حلوان و رئيس شعبة الميكانيكا

"شيلوك" العصر

 

مجلس السلام الذي تم تدشينه هو في الأساس جزء من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة والإشراف على المرحلة الثانية من الاقتراح، بما في ذلك إعادة إعمار القطاع ونزع سلاح حماس. وقبل أيام في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، قال ترامب علناً إن مجلس السلام "قد" يحل محل الأمم المتحدة.
وحتى بدون هذا الإعلان الصريح، فإن مسودة ميثاق المجلس تنتقد المؤسسات الدولية القائمة حالياً بلغة صريحة بشكل غير معتاد، موضحة أن "السلام الدائم يتطلب حكماً عملياً، وحلولاً منطقية، والشجاعة للابتعاد عن الأساليب والمؤسسات التي غالباً ما فشلت". كما تدعو إلى "هيئة دولية أكثر مرونة وفعالية لبناء السلام"، وهي إشارة مباشرة إلى الأمم المتحدة. ووفقاً للميثاق، يهدف مجلس السلام إلى "تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الموثوق والقانوني، وتأمين سلام دائم" في المناطق المتأثرة بالصراع، مع تطوير أفضل الممارسات التي يمكن تطبيقها عالمياً. وبموجب الميثاق المقترح، سيشغل ترامب منصب رئيس مجلس السلام. ورغم أن الوثيقة لا تستخدم صراحة عبارة "رئيس مجلس الإدارة مدى الحياة"، إلا أن CNN ورويترز أفادتا بأن ترامب سيبقى في هذا المنصب حتى بعد مغادرته الرئاسة.
إذاً، فالرئيس وحده سيمتلك سلطة استثنائية تتمثل في حق الفيتو. وهو أيضاً المخول لدعوة الدول للانضمام إلى المجلس، وإزالة الأعضاء، وتحديد الاجتماعات، وسلطة إنشاء أو حل الهيئات الفرعية حسب الرغبة. لكن لا يمكن الإطاحة به إلا إذا استقال طوعاً أو أعلن أنه غير مؤهل من خلال تصويت بالإجماع من اللجنة التنفيذية للمجلس.
ترامب الذي وجه الدعوة لحوالي 60 من قادة العالم -أي ما يقرب من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة- للمشاركة والانضمام، لم ينسَ أنه في الأصل رجل أعمال وصفقات يهتم بالمال قبل السياسة؛ لذا قرر الاستثمار فيه بوضع "تسعيرة" قدرها مليار دولار يجب أن تدفعها الدولة إذا أرادت الحصول على مقعد دائم في المجلس الجديد. صحيح أن الغالبية غير مرحبين ورفضوا الانضمام إليه حتى الآن بدافع وجود مخاوف مشروعة تحيط بالفكرة، منها أنه يقوض دور الأمم المتحدة أكثر مما هي عليه الآن، أو يطرح نفسه بديلاً عنها، خصوصاً بعد أن فقدت دورها وباتت مشلولة بالكامل نتيجة افتقارها لآليات التدخل في الأزمات بعيداً عن مصالح "الخمسة الكبار"؛ مع الأخذ في الاعتبار أن الفيتو الأمريكي نفسه هو الذي يضعف وما زال يضعف دور مجلس الأمن الدولي. إن هذا المجلس سيكون أداة ترامب الخاصة لتمرير ما يريده من أهداف أو خطط لتنفيذ طموحاته وفرض وصايته على من يريد، مثلما حدث في فنزويلا وما قد يحدث في جرينلاند، بعيداً عن أطر الشرعية الدولية ومؤسساتها التاريخية. بمعنى أدق، سيتحول إلى مجلس أمن خاص فقط بتنفيذ طموحات الرئيس الأمريكي.
لا شيء يردع الرجل الذي يسعى لإحداث تغيير دراماتيكي للنظام العالمي. حتى حلفاؤه في الناتو ينتظرون ضربته التالية في الجزيرة الدنماركية "جرينلاند"، ويدركون أن أقصى ما يمكنهم فعله إذا قرر استخدام القوة هو الشجب والإدانة همساً. لقد أصبحوا فعلياً في أسوأ موقف يواجهونه منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فإذا تحدوا رغبة ترامب ورفضوا ضم الجزيرة، سيؤدي هذا إلى إضعاف وربما تفكيك حلف الناتو، فضلاً عن قائمة طويلة من العقوبات الاقتصادية وفرض المزيد من الجمارك، مثلما حدث مع الرئيس الفرنسي. على الجانب الآخر، سيؤدي هذا إلى تركهم فريسة سهلة أمام أحلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي لم ينسَ لهم أنهم من ورطوا أوكرانيا لاستدراج روسيا لحرب استنزاف طويلة تحت مزاعم انضمامها للناتو. ليس هذا آخر كوابيس الأوروبيين، فالأسوأ هو أن تلتقي رغبة بوتين في الانتقام مع طموحات ترامب للتخلص من عبء الناتو، عندها لن تقوم لهم قائمة.
لن يكون "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب آخر ابتكارات (أو شطحات) هذا الرجل الذي يسعى إلى إخضاع العالم تحت هيمنة القوة الأمريكية منفردة، باعتبارها الدولة التي لا تقهر، أو هكذا يؤمن ويعتقد.
ما يفعله الرئيس الأمريكي يشبه قصة "تاجر البندقية"، وهي واحدة من أشهر أعمال الأديب الإنجليزي وليام شكسبير، وتُصنف ضمن "الكوميديات التراجيدية"، حيث تجمع بين الأجواء الرومانسية والصراع المأساوي. تدور القصة حول "شيلوك"، وهو مرابٍ يتسم بالقسوة، قرر أن يقرض أحد التجار مالاً مقابل اقتطاع "رطل من لحمه" في حال عدم السداد.
ترامب، برئاسته لـ "مجلس السلام" وامتلاكه حصرياً حق النقض، يسعى إلى تغيير العالم وفرض رؤيته على الجميع؛ ليس هذا وحسب، بل يسعى أيضاً لشرعنة اقتطاعه واستيلائه على ما يشتهيه من ثروات هي ملك للدول وللأجيال القادمة دون أي مساءلة.. هذا هو شيلوك العصر.